ولم يغب على بال الرسامين أن هدفهم الأساسي هو تدوين الأعمال اليومية في المزارع الكبرى ؛ كذلك لم يهمل الفنانون مطلقاً معين هذه الصورة المعبرة فزينوا بها جدران مقابر الدولة الوسطى في بني حسن ومير والبرشا وطيبة وأسوان ؛ وقد أستمر استتعمالها لعدة قرون عندما نقل الفراعنة مقر حكمهم الى مدينة طيبة . وقد لجأ الفنانون في أول عهد البطالة الى استعمال هذه النماذج في زخرفة الأثر الرائع الذي بنى على هيئة معبد ودفن فيه بت أوزير بس احد نبلاء المدينة العتيقة التي كانت معبودتها الآلهة الثمانية والذي كان لكهنة هرموبوليس ( الاشموني ) وكاهنا للمعبودات الأخرى .
على اننا نحي عن الصواب إذا اعتقدنا أن ه1ذه المقابر ذات الرسوم المتكررة قد بلغت مدى الاتقان والكمال ( لا كمال الا لله وحده ) الذي وصلت اليه في عهد الاهرامات الكبرى . ففي بني حسن احتلت الألعاب والمصارعات والمعارك والصحراء مكاناً اكبر من ذي قبل كذلك نرى مناظر جنود المقاطعات وهي تتدرب وتحاصر القلاع . لقد خطى الفن اولى خطواته فقد اضيف الآن إلى مجموعة المناظرالقديمة تمثيل الاحداث التي كان لها أثر في مهنة الشخص : فهؤلاء بدو جاءوا من بلاد العرب وتقدموا الى حاكم مقاطعة () المعاز البري ) ليقايضوا مسحوقاً اخراً بحبوب ؛ وليثبتوا حسن نيتهم أهدوا له غزالاً ووعلا اصطادوهم في الصحراء . ونجد هذه الرسوم في مقبرة خنوم حتب بين المناظر التي تمثل الصيد ومرور قطعان الماشية . اما محافظ مقاطعة الارنب ؛ فأنهخ لم يستقبل أحد قادماً من بعيد . ولكنه اوصى النحاتين الذين كانت مقاراً اعمالهم قريبة من محاجر الرخام في حتنوب ( محاجر حتنوب ) ؛ وهو غير بعيد عن مقر اقامته ؛ أن يصنعوا له تمثالاً طوله ثلاث عشر ذراعاً ؛ ولما انتهوا من عمل التمثال وأخرجوه من المشغل وصعوه فوق زحافة أخذ بحرها مئات من الرجال من مختلف الاعمالر انتظموا في اربعة صفوف وساروا ببطء إلى المعبد في طريق ضيق ممتلئ بالأحجار والحصى . وكان المتفرجون المتراصون في صفين على جانبي الطريق يتصايحون ويصفقون اعجاباً كلما تقدم الى الامام ؛ وفي الواقع أننا نشاهد مقابر الدولة القديمة رسوما تمثل نقل نالتماثيل بحجمها الطبيعي وهي تنقل الى المقابر . ولم يكن هناك ضرورة لتجنيد كل اشداء المقاطعة ؛ إذ كانت هذه الحدى المراسم الجنائزية العادية ؛ ولكن جحوتي حتب قد فضل ان يثير دهشة زائري مقبرته ويبين مدى ثرائه وحظوته في قصر الملك بعمل يعد شاذاً للغاية .
وفي عهد الأمبراطورية الحديثة كانت الموضوعات التي تزين مقابر الخاصة تتكون من ثلاث مجموعات كبيرة : فنجد اولاً الرسوم المأخوذة من المجموعات القديمة بعد ان نسقط طبقاً من الذوق الحديث الذي تغي تغيراً ملحوظاً خلال الف عام . ثم نأتي للمجموعة الثانية التي تميز المناظر التاريخية مثل رخ مارع الوزير ومن خبر رع النبي الأول آمون ومثل هوى الأبن الملكي لكوش ؛وقد كان لهم دوراً في الاحداث الكبيرة ؛ وقد رسموا وهم يقدمون الى جلالة الملك شخصيات اجنبية كبيرة من كريت وسوريا وبلاد النوبة أتوا ليكونوا في ( حمى فرعون ) أو يلتمسوا منه نسمة الحياة . وقد وردت رسوم تمثلهم وقد جبوا الضرائب واقاموا الدالة وراقبوم الاعمال ودربوا المجندين حديثاً ؛وفيما مضى كان تاريخ حياة صاحب المقبرة يقص علينا بحفرة على جدران المقبرة اما الآن فقد اصبحت الاحداث ترسم بالصور وأخيراً فأن التعبد للآلهة الذي لم يكن حتى ذلك الوقت موضوعاً للرسوم أصبح مصدر وحي لكثير من اللوحات ؛ وخصصنا لرسوم الحفلات الجنائزية مساحة اوسع من ذي قبل وإذ اصبحنا ان نرى كل هذه الخطوات من أثاث جنائزي يمكن أن يملأ مخزناً كبيراً وإعداد موكب الجنازة وعبور نهر النيل ومواراة الميت القبر وعويل الندابات ثم الوداع الأخير .